المحقق البحراني
11
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية
فأخبر عليه السّلام أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحقّ . فقد شرحت الجبر الذي من دان به لزمه الخطأ ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل ، فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما " . ثم قال عليه السّلام : " وأضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلا يقرّب المعنى للطالب ، ويسهل له البحث عن شرحه ، يشهد به محكمات آيات الكتاب وتحقّق تصديقه عند ذوي الألباب وبالله التوفيق والعصمة : فأما الجبر الذي يلزم من دان به ( 1 ) الخطأ ، فهو قول من زعم أن الله جلّ وعزّ أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها . ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه وردّ عليه قوله * ( ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) * ( 2 ) ، وقوله * ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) * ( 3 ) ، وقوله * ( إِنَّ الله لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * ( 4 ) مع آي كثير في ذكر هذا . ومن زعم أن الله مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله وقد ظلمه في عقوبته ، ومن ظلم الله فقد كذب كتابه ، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر بإجماع الأمة . ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه ولا يملك عرضا من عرض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملَّكه ثمن ما يأتيه به من حاجته ، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلَّا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور ، وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أن سيمنعه ، وعلمه أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملَّكه
--> ( 1 ) في " ح " : الذي من دام فيه يلزمه ، بدل : الذي يلزم من دان به . ( 2 ) الكهف : 49 . ( 3 ) الحج : 10 . ( 4 ) يونس : 44 .